محمد بن جرير الطبري

52

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي قال : " عن دعائي " . حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا عمارة ، عن ثابت ، قال : قلت لأنس : يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة ؟ قال : لا ، بل هي العبادة كلها . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : أخبرنا منصور ، عن زر ، عن يسيع الحضرمي ، عن النعمان بن بشير ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ هذه الآية وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي " حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، عن الأشجعي ، قال : قيل لسفيان : ادع الله ، قال : إن ترك الذنوب هو الدعاء . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي يقول : إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة ، وإفراد الألوهة لي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ بمعنى : صاغرين . وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الدخر بما أغني عن إعادته في هذا الموضع . وقد قيل : إن معنى قوله إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي إن الذين يستكبرون عن دعائي . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي قال : عن دعائي . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي داخِرِينَ قال : صاغرين . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يقول تعالى ذكره : الله الذي لا تصلع الألوهة إلا له ، ولا تنبغي العبادة لغيره ، الذي صفته أنه جعل لكم أيها الناس الليل سكنا لتسكنوا فيه ، فتهدءوا من التصرف والاضطراب للمعاش ، والأسباب التي كنتم تتصرفون فيها في نهاركم وَالنَّهارَ مُبْصِراً يقول : وجعل النهار مبصرا من اضطرب فيه لمعاشه ، وطلب حاجاته ، نعمة منه بذلك عليكم إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يقول : إن الله لمتفضل عليكم أيها الناس بما لا كفء له من الفضل وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يقول : ولكن أكثرهم لا يشكرونه بالطاعة له ، وإخلاص الألوهة والعبادة له ، ولا يد تقدمت له عنده استوجب بها منه الشكر عليها . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يقول تعالى ذكره : الذي فعل هذه الأفعال ، وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس ، الله مالككم ومصلح أموركم ، وهو خالقكم وخالق كل شيء لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يقول : لا معبود تصلع له العبادة غيره ، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يقول : فأي وجه تأخذون ، وإلى أين تذهبون عنه ، فتعبدون سواه ؟ . وقوله : كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ يقول : كذهابكم عنه أيها القوم ، وانصرافكم عن الحق إلى الباطل ، والرشد إلى الضلال ، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله ، يعني : بحجج الله وأدلته يكذبون فلا يؤمنون ؛ يقول : فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم ، وركبتم محجتهم في الضلال . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ يقول تعالى ذكره : اللَّهُ الذي له الألوهة خالصة أيها الناس الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ التي أنتم على ظهرها سكان قَراراً تستقرون عليها ، وتسكنون فوقها ، وَالسَّماءَ بِناءً بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم ، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ يقول : وخلقكم فأحسن خلقكم وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يقول : ورزقكم من حلال الرزق ، ولذيذات المطاعم والمشارب . وقوله : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ